محمد جمال الدين القاسمي
52
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
الفضل والشهرة والذكر الحسن بين الناس ، وتودد الفضلاء إلى زيارته ، واقتنى كتبا نفيسة ، وكان لا يرى للعيش لذة ولا للحياة قيمة إلا في سبيل مطالعة الكتب ، فلا يمل منها ليلا ولا نهارا ، وربما قطع معظم الليل في ذلك ، حتى كانت أدوات كتابته وما يطالعه جنب فراشه . وكان لا يجارى في المحاورات العلمية لقوة استحضاره أطراف المسائل ، ومن جاراه في مسألة لا يثبت معه ويحار من سرعة أجوبته ومناقشته وكثيرا ما كان يعترض أثناء مطالعته بعض المباحث المدوّنة في الحواشي والشروح ، ويقرر وجه المناقشة فيها ذكاء وفهما ثاقبا . وبالجملة فمزاياه الجليلة وشيمه الجميلة أجل من أن يحصيها قلمي ، ويمليها على طرس فمي . ولم يزل على طريقته الحسنة وفضائلها المستحسنة إلى أن فجعنا بجوهره الخطير ، ويا له من مصاب كبير ، استهوى المدامع ، ودق الأضالع ، وذلك صباح يوم الجمعة ثالث عشر شوال سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف فجأة . وكان يومئذ أدى صلاة الفجر إماما بجامع السنانية ثم قدم إلى داره . وجئت على أثره من جامع العنابة وجلست معه نتجاذب أطراف الأحاديث حتى هيئ لنا شراب الشاي فتناولناه معا على صفاء وسرور ، ولم أزل أسقيه حتى قال لي : اكتفيت ، وجلس بعد شربه حصة ثم قام فتبعه ابني ضياء الدين وله عامان ونيف ، فقلت له وهو واقف : ما أولع ابني بك يا سيدي ، فالتفت إليه ولاطفه ثم خرج إلى صحن الدار ، فتبعته ابنتي ، ثم دخل إلى محل آخر واستند إلى حائطه وفاضت نفسه الكريمة ، فلم نشعر ونحن في محلنا إلا وابنتي مسرعة فزعة دخلت إلينا قائلة جدّي لا أدري ما أصابه . ولما صافح الأسماع منا * تقطعت الضمائر والقلوب